اخبار صحافية>>
"عزرائيلي" يمنع دخول 41 مسنًا من شفاعمرو، ويوضح: الحارس، يتأتىء!!
امر توقيف لعمر سعد من المغار لرفضه الخدمة العسكرية
شباب من البعينة نجيدات يحيون ذكرى النكبة
محمد بكري : إنهم يحاربون الفن
تم إعداد هذه النشرة بمساعدة من الاتحاد الأوروبي.
محتويات هذه النشرة من مسؤولية مركز إعلام ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجهات نظر أو آراء الاتحاد الأوروبي.
الفلسطينيات العاملات في الزراعة.. ظروفٌ قاسية ومتقهقرة!

 


قبل العام 1948، كانت نساءُ فلسطين شريكاتٍ في الإعالة، بل كان الاعتماد يقع عليهن في كثيرٍ من الأحيان، سواء في مجال الزراعة أو الأعمال اليدوية. لكنهنّ اليوم في دولة مُحتلّة، يعانين مما يعانيه شعبهن من اغتصابِ الأرضِ، وهدمِ البيوت، والإفقار، وانتهاك الحقوق، والاستخفاف، وعلاوة على كل ذلك، من تهميش للمرأة.

يحتفظ الكيان المُحتل، بصورةِ نمطية للمرأة الفلسطينية لم تَعُد في الحقيقةِ تطابق ما كانت عليه قبل سنوات: لم تَعُد أمٌ كثيرة الأولاد، وهدفا يبتغيه الرجل العربي، وليست هي ربة المنزل التي لا تعرف شيئاً سِوى المطبخ. لكنّ الخيال الإسرائيلي في الكثير مِن وسائل الإعلام، يسوِّق حياة الفلسطينيين على أنّه مربعٌ مِن الشهوات والأكل والطمع والجهل. وفي كُلِ مَرّةٍ يَتغنى فيها الاحتلال بمنح الفلسطينيين حقوقا ومُساواة، تكشِفُ المعطيات الرسميةُ أنّ فلسطينيي الداخل، وعددهم يفوق المليون ونصف المليون، يعيشُ 60 في المئة منهم عند خط الفقر (ثلاثة أضعاف الإسرائيليين)، بينما لا تتجاوز نسبة النساء الفلسطينيات العاملات الـ25 في المئة، وهي نسبةٌ أقلُ مِن نسبة النساء العربيات العاملات في الدول العربية. وفي حين زادت نسبة الفلسطينيات الأكاديميات، وساهم الأمر في دمجهن في المجتمع العربي في الداخل، ظلّت المرأة الفلسطينية غير المتعلِّمة تبحثُ عن فُرصةِ عملٍ سانحة، مع الأخذِ بعينِ الاعتبار أوضاعها العائلية. فكانَ مجالُ الزراعة هو الأقرب إلى محيطها، علما أنّ العاملين في الزراعة باتَ لا يتجاوز الـ6 في المئة من مجمل الفلسطينيين في أراضي 1948.

آمنة وفتحية نَجمي... وارتباطهن بالأرض!

ولدت آمنة (53 عاما) وفتحية نجمي (45 عاما)، وهما شقيقتان، في قرية عبلين الجليلية، وقصتهن تُشبه الكثير مِن قصص العائلات التي كانت تعتاشُ على الزراعة، ثُم ساءَ بها الحال بعد احتلال فلسطين، واقتطاع أجزاءٍ كبيرة من الأراضي. وعائلة نجمي التي سكنت في أرض عبلين، انتقلت لاحقا إلى سهلِ مدينة شفا عمرو (قرب حيفا)، فاعتاشت الأسرةُ على فلاحة الأرض لمدة 40 عاما.

أصلُ الحكاية

كان أبو موسى والد الامرأتين في بداية مشواره يعمل في الفلاحة في سهل عبلين. لم يتقن مهنة أخرى. وبعد الاحتلال لم يجد مصدر رزقٍ، سوى عمله في فلاحة وقطف المزروعات في الكيبوتسات اليهودية. وكانت الزوجة تُشاركه الهمَ، فتخرُج هي أيضا للعمل في الفلاحة وقطف المزروعات (خضراوات وفواكه)، لتعود إلى بيتها، فتساهم في إعالة أسرتها. ثم كبرت، وكبر الأبناء وهم تسع بنات وشقيقين، فقرّر الوالد في العام 1975، شراء أرضٍ في سهل شفا عمرو، والتوقف عن العملِ بالأجرة. وهكذا صارت العائلة شريكة في ملكية أرضٍ وفي فلاحتها وجني ثمارها.

آمنة حُرمت من التعليم

آمنة التي تجاوزت الخمسين من عمرها، دفعت ثمن ولادة شقيقها ابراهيم، إذ كان لازما عليها أن تعتني بأشقائها، فتركت المدرسة بعد الصف الثالث الابتدائي، واهتمت بالآخرين، كونها الكبيرة في البنات. ولكنها على ذلك كانت تعمل في الزراعة. "كُنتُ أتمنى أن أنهي دراستي، لكن الإمكانيات المادية صعبة، والعائلة كثيرة العدد، أبي كان وحيدا بلا عائلة واسعة وأراضٍ، وكان علينا أن نكون سنده. والحياة ضحكت له العام 1975، فقد قمنا بضمان أرضٍ للفلاحة في سهل شفا عمرو، على الشارع الرئيسي باتجاه كريات آتا، وبعد فترةٍ طويلة، تمكنّ الوالد من شراء الأرض، فصارَ لنا بيتاً وسندا في وقت الضيق".

حياة شقاءٍ لا تنتهي

كان الوالد يزرع الخس والفواكه ويقوم بتصديرها. وكان يحصل على بعض الدعم والتسهيلات من قِبل لجنة داعمة للمزارعين، لكنّ الأمر اختلف بعد ذلك، فوزارة الزراعة اوقفت أي مساعدة من العرب، بل منعتهم من زراعة الكثير من الأصناف التي كانوا يصدرونها، كالبطاطا، والجزر، والكرفس، والملفوف الصيني وغيرها "التي اقتصر إنتاجها على اليهود فقط. كلُ شيء تغيّر مع الزمن للأسوأ. نحنُ نعمل منذ ساعات الفجر وحتى ساعات الغروب، بل قد يمتد بنا العمل حتى الثامنة أو التاسعة مساءً، لكنّ مقابل ذلك لا يكفي لإعالة الأسرة، خاصةً مع ارتفاعِ أسعارِ المياهِ والأسمدة والأدوية للمزروعات، بينما ما زالت أسعار الخضراوات على حالها منذ سنوات".

حياة الفلاحُ في الصيفِ والشتاء!

"عملٌ صعب، وحياة قاسية، اضطُررنا هذا الصيف الى التوقف عن العمل لمدة شهرين تقريبا، بسبب الحرارة، ثم عُدنا إلى العمل حتى التاسعة ليلاً، كي نفي بالتزاماتنا ونُسلّم الطلبات للمشترين. الجيّد في الصيف أنّ لدينا مُتسعٌ كبير من الوقت ننجز عملنا خلاله، ونستريح لساعة أو ساعتين ثم نعود لمتابعة القطاف، ويتبقى وقت لتناول وجبة العشاء مع العائلة، وتجهيز البيت وتنظيفه وإعداد طبخة لليوم التالي، ثم الخلود إلى النوم بانتظارِ فجرٍ جديد". هكذا لخّصت آمنة وشقيقتها يومهما الصيفي، وتمنتا أن تتمكنا في الصيف القادم من استكمال مشروع وضع "شوادر" لحماية المزروعات مِن أشعة الشمسِ الحارقة.
"أما الشتاء فهو فصل الخير، إذ يُخفف عناء ريِ الأرض بالماء يوميا، فترحمُ العائلة مِن أثمان المياه الباهظة، وفيه تختفي دودةُ الزراعة". تصِفُ آمنة الظروف المادية حينَ تصلهم، نهاية كُلِ شهرٍ، فاتورة بمعدل 6000 شيكل (1600 دولار تقريبا)، وأحيانًا تصل إلى 10000 شيكل، (ما يُعادل الـ2700$)، فيذهب كل تعب العائلة في ري الأرض. آمنة وفتحية كُنّ يحلمن بمهنةٍ أخرى أو فرصة أو عطلة للاستجمام. لكن هيهات يحصُلُ ذلك.

الارتباط بالأرض

السيدتان تُحبان أرضهما إلى درجةِ العشق، وباتتا خبيرتان في المزروعات، تعرفان معنى وجود ألوانِ أخرى لعروقِ البقدونس المزروع أو الخس: دليلٌ على نقصٍ ما، أو مرضٍ ما، ويجب مداواته. كما تهتمان في بداية كل موسمٍ جديد بحرث الأرض وتسميدها وتنظيفها من جميع الشوائب، إضافة إلى نثر "الزبل" فوقها، وإلا فإنّ مكروها قد يمسُ بالمزروعات. "لكنّ أسعار الأسمدة والأدوية مكلفة جداً، فثمن 25 كيلو من سماد "الأوريجا" يصل إلى 100 شيكل، وهو مبلغٌ نعمل يوما كاملاً حتى نُحصله. كُنا في السابق نزرع الكوسا والخيار، لكنّ عدم وفرة العمال حرمتنا من هذه المزروعات".

واعترفت فتحية أنها كثيرا ما فكرت بالابتعاد عن الفلاحة، علّها تضمن معاشا شهريا ثابتا، مُقابل الجهد المُضني والوقت الطويل الذي تقضيه في عملها. لكنّها في كُلِ مرة تعود بخطواتها إلى الوراء. أما آمنة فلن تترك عملها الذي ترتبط به منذ أكثر من 40 عاما، فالأرضُ بالنسبة لها ليست فقط وسيلة للعمل، "بل هي علاقة خاصة، جُبِلتُ بها، ولا يُمكنني تركُ هذه الأرض التي ولدتُ فيها، أحبها رغم التعب". وتعتقد الشقيقتان أنّ هناك تغييرا سلبيا حصل لدى عدد كبير من الفلسطينيين في الداخل. فقد استطاعت إسرائيل أن تُميت الفلاحة تقريباً، عندما حرمت المزارعين من التصدير. عائلة نجمي مثلاً كانت تُصدّر الكرفس والملفوف الصيني، وكان هناك قرار حكومي بمنع زراعة هذه الخضار، بينما سمحت لأصحاب الكيبوتسات بالزراعة والتصدير، في محاولة لتمزيق ارتباط العربي بأرضه. ولعلّ هذا هو السبب الرئيس في ترك أراضٍ واسعة مُلاّكها عرب، وتحولها لأراضٍ بور، بينما اضطُر عمال عرب إلى العمل كأجيرين في مزارع الاسرائيليين، الذين يجدون وسائل لتسويق مزروعاتهم من دون أي تقييد يُذكَر.

"كان قدرنا ألا نتزوج، وأن نربط مصيرنا بالزراعة، بينما تزوجت سائر الشقيقات. لكنّهن جاهزاتٍ للمساعدة حين نحتاجهن في عزِ الموسم، أما الشقيقان فمهمتهما هي التسويق ومُحاسبة الزبائن".

مصطفى الناطور: اضمحلال الزراعة في فلسطين بسبب العجز عن التسويق

ويؤكِد الخبير الزراعي مصطفى الناطور "في سنوات الخمسينيات وحتى السبعينيات كانت الزراعة مشروعاً عائلياً ناجحاً، خاصةً زراعة الخضراوات، وكانَ للمرأة دورٌ كبير في العمل بالمزرعة بينما أخذ الرجُل مهمة الإدارة والتسويق. وانتشرت زراعة البندورة والخيار والفلفل والباذنجان والمزروعات الورقية، كالخس، والملوخية، والبقدونس. لكنّ الأمر تغيّر منذ أواسط الثمانينيات، فابتعدت الأُسر عن العمل الذاتي في الإنتاج الزراعي، متجهةً إلى الاعتماد على العمال المستأجَرين، خاصةً من فلسطينيي الضفة الغربية. ولاحقًا باتَ المزارعون يعتمدون على عمالٍ فلسطينيين أو أجانِب، أو يَتِم تحويل التشغيل إلى مقاولين، وظيفتهم ترتيب مسألة العُمال. وفي كثيرٍ من الأحيان يكون هؤلاء مِن النساء، بأجورٍ زهيدة (20 شيكلا او أقل من 6 دولارات في الساعة)، وساعات عملٍ طويلة".

ويُشير الناطور إلى أنّ "العمل في الزراعة لم يَعُد مجالاً للتنافس الاقتصادي، بسبب عدم توفر الأراضي الزراعية والمياه للري، كذلك صعوبة التسويق. ومِن جهةٍ أخرى، فإنّ المزراعين العرب غير منظمين، فالعَمل بشكلٍ فردي لا يمكنه ضمان تسويق المنتوجات في ظلّ وجودِ خبراء ومسوقين".

هناك داخل اسرائيل نحو 70 ألف عامل في الزراعة ، بينهم 20 ألف عامل أجنبي (تايلنديون). وعدد النساء الفلسطينيات العاملات في الزراعة هو ضعف عدد الرجال الفلسطينيين. وللعُمال الاجانب تسهيلات من قبل المُشغِل/ كالنقل المنظّم لهم، بينما تحتاج النساء العربيات إلى وسائل نقل غير متوفرة بصورة منتظمة وطوال الوقت. وفي كثيرٍ من الأحيان، يكون عمل النساء الفلسطينيات مؤقتا، عن طريق "مرؤوس"، من دون قسيمة راتب ومن دون حقوق اجتماعية، خاصةً أنّ العامل الأجنبي يقبل بما دون الـ6 دولار للساعة.

للباحث امطانس شحادة تفسير مختصر لحال الفلسطينيين، وهو "أنّ المؤسسة الإسرائيلية تُجازف بإفقارهم كي لا يتحول النمو الاقتصادي الى رافعة سياسية لهم". وأما بخصوص الزراعة تحديداً، فما تسعى إليه اسرائيل هو تهجير الفلسطينيين وانتزاع ملكية الأرض، فعرقلة اشتغال الفلسطينيين في الزراعة لا يختلف بتاتا عن سياسة هدم البيوت وانتزاع الأراضي وتحويلها إلى ملكية الدولة، وغيرها مِن السياسات العنصرية التي تتفنن إسرائيل يوميا في تطبيقها.

 


(+ اضافة تعقيب )
تعقيبات