اخبار صحافية>>
"عزرائيلي" يمنع دخول 41 مسنًا من شفاعمرو، ويوضح: الحارس، يتأتىء!!
امر توقيف لعمر سعد من المغار لرفضه الخدمة العسكرية
شباب من البعينة نجيدات يحيون ذكرى النكبة
محمد بكري : إنهم يحاربون الفن
تم إعداد هذه النشرة بمساعدة من الاتحاد الأوروبي.
محتويات هذه النشرة من مسؤولية مركز إعلام ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجهات نظر أو آراء الاتحاد الأوروبي.
عمل الصّحافيّات العربيّات: عبوديّة أم تحقيق للمساواة في فرص العمل؟!

إنّها ظاهرة "مثلجة للصّدر"، أن تمتلئ الأكشاك والحوانيت بالصّحف العربيّة الأسبوعيّة، لينزرع فينا شعور وكأنّنا شعب يُقدّس الصّحافة، ويستهلك الكلمة ويذوّتها في قاموسه كما سائر الشّعوب الّتي تبني ثقافتها من وحيِ صحفها، وكان كثيرون منّا يأملون أنّ عالمًا قائمًا بحدّ ذاته يجب تعزيزه، هو "الصّحافة"، وأنّها يجب أن تسكن بيوتنا ورفوف مكاتبنا، وأن يكون لهذا العالم دورٌ في التّغييرِ وتحقيق المساواة على كافّة الأصعدة، وأن تكون مصدر رزق وهدفًا ساميًا نتوق إلى تحقيقه، نحنُ الصّحافيّون.

 

لكنّ الواقع الفلسطينيّ في الدّاخل ليس ورديًّا، على الأقلّ في صحافتنا، فثمّة اتّهاماتٌ شديدة اللّهجة توجّه لصحافتنا العربيّة المحلّيّة، رغم وجود استثناءات.

 

وإذا كانت نسبة الفلسطينيين في الدّاخل تقارب الـ 20% من مجمل سكّان الدّولة، فإنّ عدد النّساء الصّحافيّات لم يصل إلى نسبة مساوية للرّجال، علمًا أنّ هناك واقعًا قاسيًا في مجتمعنا، يتمثّل بتراجع الطّلب على الصّحف والقراءة، ناهيك عن غياب المهنيّة، وظروف العمل القاسية، والوضع المادّيّ الصّعب الّذي يجعل من ظاهرة إغلاق الصّحف والمواقع الإلكترونيّة أمرًا واردًا في الحسبان.

 

وإذا كانت أخلاقيّات مهنة الصّحافة تقتضي احترام المرأة الّتي نكتب عنها وننقل رسالتها، ونُبرزُ نشاطاتها في الحيّز العام، ونُطالب بتمثيلها اللّائق في جميع المناصب والتّخصّصات المهنيّة والأكاديميّة، أسوةً بالرّجل، وأيضًا نمنحها الحقّ في التّعبير وعدم استباحتها كسلعة، فكيف يكون الحال في الصّحافة الّتي تُشغّل المرأة؟! هذا ما نحاول معرفته من خلال استطلاع شمل أصحاب الشّأن!

 

صحافيّون يتركون مهنتهم بسبب الإسفاف في المواضيع!

 

"س.م" (صحافيّة، لقب أوّل في الاتّصالات والتّسويق).

تقول "س. م": "كانت لي تجربة قصيرة في أحد المواقع العربيّة لمدّة شهرٍ ونصف، قبل أن "أقفز" لعملي الحاليّ في إحدى الصّحف العربيّة، حيث تمّ اختياري بعد تقديم سيرة ذاتيّة وإجراء مقابلة، وهأنذا أستقرّ في عملي منذ ثلاث سنوات. لقد كانت هذه التّجربة مثرية، ومنحتني خبرة كبيرة ومعرفة أناس جدد، لكنّني أشعر طوال الوقت أنّها محطّة قصيرة في حياتي، وأنّ أحلامي وطموحاتي الحاليّة في الصّحافة المحلّيّة محدودة، وخصوصًا أنّني فتاة. ورغم اهتمامي بمختلف مضامين الكتابة، سواء تلك الاجتماعيّة، أو الاقتصاديّة، أو السّياسيّة، إلّا أنّني ما زلت أبحث عن هويّتي ومكانتي في عالم الصّحافة."

 

تشعُر "س. م" بعدم رضى فيما يخصّ وضعيّة الصّحافة العربيّة، وأبرز مظاهر التّردّي في الصّحافة كما ترى: "تدخّل المحرّرين بنصّ الصّحافيّ، والاهتمام المادّيّ الّذي قد يغلب على النّصّ المهنّيّ، والخوف من طرح مواضيع جريئة ومهمّة ونقاشها لتعريتها، وهذا ما يجعلنا نكتفي بالمواضيع التّقليديّة الّتي نجترّها باستمرار. وأيضًا الرّواتب المتدنّية للصّحافيّين، وتشغيل شباب بالكاد أنهوا المرحلة الثّانويّة، الأمر الّذي يكون في العادة على حساب صحافيّين مهنيّين وأكاديميّين، وفي بعض الأحيان يكون راتب الشّاب أعلى من راتب الأكاديميّ."

 

وتعتقد أنّ عددًا من الصّحافيّين لا يعمّرون في مهنة الصّحافة بسبب المواضيع المطروحة، والّتي تعتمد على الإسفاف ودونيّة الموضوع، ما يحتّم على الصّحافيّ أن يخجل من مهنته ويهرب إلى عملٍ آخر.

 

تبدي "س. م" انزعاجًا من محاولات المحرّرين قصّ أجزاء من كتاباتها، لكنّها رغم اعتراضها لا تستطيع إيقاف المقصّ.

 

أمّا فيما يخصّ التّمييز بين الرّجل والمرأة في العمل، فتؤكّد أنّ الأمر يصبّ في صالح الصّحافيّات، فعدد منهنّ تألّق وفرض وجوده، لكنّ نسبة اللّواتي يتوجّهن لدراسة موضوع الإعلام قليلة أساسًا.

 

كانت "س. م" تصبو دائمًا للوصول إلى منصب عالٍ في الصّحيفة، (كرئيس تحرير) مثلًا، لكنّ مالكي الصّحف يحوّلون الصّحيفة (إلى مصلحة عائليّة)، فيتوارثون المناصب من جيل إلى جيل.

تحبّ "س. م" مهنة الصّحافة، وترى فيها موقع تأثير كبير يتطوّر باستمرار، في ظلّ وجود صحافيّات مع طاقات مهنيّة جبّارة، لكنّ المساحة المتاحة لا تزال محدودة، والقيود لا تزال في معصمهنّ.

 

"نعم.. صحافتنا العربيّة لا تخلو من العبوديّة!"

لطيفة اغباريّة (صحافيّة، حديث النّاس).

تعمل الصّحافيّة لطيفة اغباريّة في صحيفة "حديث النّاس" منذ ثمانية أعوام، كانت البداية مع أخبار تتعلّق بمنطقة المثلّث، حيث جاء اختيارهم لها بعد اطّلاعهم على كتاباتها المتنوّعة في أكثر من صحيفة محلّيّة.

لا تشعر لطيفة أنّها ملزمة بتنفيذ أوامر صارمة من رؤسائها في العمل، بل على العكس، تشعر بمساحة كافية من الحرّيّة الممنوحة، الأمر الّذي يجعلها تزيد من اهتمامها وحرصها على تقديم المزيد من الكتابات للصّحيفة، وهي ترى أنّ حرّيّتها قد تعادل أو تفوق ما يمنح للرّجال العاملين في الصّحافة.

ويزيد من شعورها بالرّضى أنّها اختارت العمل بوظيفة جزئيّة، إذ أنّ مهنة الصّحافة مرهقة أساسًا، ولم يكن بإمكانها أن تجمع عملين في وقتٍ واحد لو لم تكن تشعر أنّ لغة إنسانيّة مشتركة وُجدت بينها وبين مالك الجريدة ورئيسها.

وعن تجربتها الطّويلة في العمل مع "حديث النّاس"، تقول لطيفة: "لو أنّي شعرت يومًا بمسٍّ في حقوقي أو بالغبن، أو بنوعٍ من العبوديّة، لما كنت موجودة اليوم في الصّحيفة، لكنّي أعمل وفق أخلاقيّاتنا المشتركة، ووفق ما أراه مناسبًا لي، دون إملاءات، ولم يتدخّل أحد خلال سنوات عملي بصلب نصوصي وكتاباتي، فالتّغيير وفق الأمزجة ووفق المصلحة الضّيّقة خطٌّ أحمر لا أرضاه كصحافيّة تعمل بمهنيّة، وتعتبر العمل رسالة إنسانيّة يجب عدم المساس بها."

لطيفة لا تنكر أنّ هناك صحفًا أو مواقع تتعامل مع الصّحافيّ، سواء كان رجلاً أو امرأةً، بما يشبه العبوديّة، هذه حقائق لا يمكن تجاهلها عرفتها من خلال لقاءات مع صحافيّين؛ بل إنّ ما يجري في الصّحافة المحلّيّة، يجعل الجيل الجديد يبتعد عن مهنة الصّحافة خوفًا من متاعبها ومن رواتبها البائسة أيضًا.

وتعترف الصّحافيّة اغباريّة بأنّ هناك تمييزًا واضحًا بين المرأة والرّجل في العمل، عن ذلك تقول: "لعلّ عدم وجود المرأة العربيّة في مواقع اتّخاذ القرار في الصّحيفة، مردّه تجاهل قدرات المرأة وكفاءاتها الكبيرة الّتي قد تفوق قدرات الرّجل، وربّما لأنّ الرّجل لا يرضى بأن ترتفع المرأة منصبًا، فيصبح هو طوعًا لتعليماتها، نعم هناك رجال مع قدرات، لكن بالمقابل هناك الكثير من النّساء اللّواتي يتفوّقن على الرّجل مهنّيًّا، لكنّ الأبواب أمامهنّ مغلقة."

 

أصحاب المصالح يستغلّون العاملين، وكذلك الأمر في الصّحافة!

 

نرمين موعد (صحافيّة، موقع بكرا).

 

تتحدّث نرمين موعد عن تجربتها فتؤكّد أنّ عملها في الصّحافة الّذي بدأ عام 2009 لم يكن وليد الصّدفة، بل كان حلمًا تمنّته، وهي تراقب نجاحات لإعلاميين بارزين وجريئين في قنوات عربيّة، ومن نظرة المراقب للعمل الإعلاميّ، إلى الرّغبة في امتهان الصّحافة، أصبحت منشغلة أثناء بحثها عن مستقبلها، وقد فضّلت في امتحان الخيارات "تصميم الدّيكور"، إلّا أنّها آثرت امتهان الصّحافة أخيرًا لأنّ الحلم ظلّ يكبر، حتّى صار واقعًا.

 

تعمل الصّحافيّة نرمين موعد في موقع "بكرا" الإلكترونيّ، وهي تكتب تقارير وتحقيقات ومقابلات صحافيّة في مجالات عدّة، إضافة إلى تحرير الزّاوية الشّبابيّة والطّلبة الجامعيين والأكاديميين.

 

تشعر نرمين برضًى من تقدّمها المهنيّ في مجال الصّحافة، ومن التّقدير الّذي تحظى به والانكشاف على عالمٍ ومعارف كثر، لكنّها كسائر الصّحافيّين، تتمنّى أن يتطوّر الوضع المادّيّ في المواقع العربيّة لكي يتلقّى الصّحافيّ أجرًا مقبولًا نظير عطاءاته.

تؤكّد موعد أنّ مقصّ الرّقيب (المحرّر) لا يعمل طوال الوقت، إلّا في بعض الحالات الاستثنائيّة، ويتمّ بالتّنسيق التّام وبشكل مهنيّ ومدروس.

 

وتعتقد موعد أنّ تمييزًا في المعاشات قد يكون بين الرّجل والمرأة، خاصةً إذا كان الرّجل ربّ عائلة، أمّا على الصّعيد المهنيّ، فإنّ الشّخص الكفؤ هو من ينجح، سواء كان رجلاً أم امرأة، بالمقابل فإنّ الصّحافة المحلّيّة المحدودة تكون عائقًا أمام معاش مضمون وموقعٍ مهنيّ مرموق.

 

وعلى صعيدٍ شخصيّ، كسائر الصّحافيّين الّذين يحملون في داخلهم طموحًا، فإنّها لن تُمانع، بل تصبو إلى منصب محرّرٍ مسؤول أو مساعد تحرير، لكنّ الأمر يحتاج إلى تجربة كبيرة، وسيحين وقته لاحقًا، خاصّة أنّ الصّحافيّ الميدانيّ يحظى في الكثير من الأحيان بالانكشاف أكثر من المحرّر الّذي يجلس خلف حاسوبه.

 

"هناك استغلال واضح للصّحافيّين في عددٍ من وسائل الإعلام، لكنّه لا يصل إلى حدّ الاستعباد، ولا يقتصر على المؤسّسات فقط، بل يتعدّاه إلى مناحٍ كثيرة في مجتمعنا العربيّ في الدّاخل، للأسف"! هذا ما تراهُ الصّحافيّة نرمين موعد من خلال اطّلاعها على صورة حيّة من زميلاتٍ في المجال نفسه.

 

في القدس والضّفّة الغربيّة أجر الصّحافيّ لا يكفي لإعالة عائلة!

 

ح. ب (صحافيّة، القدس).

 

تعمل "ح. ب" مراسلة ميدانيّة لتغطية أخبار مدينة القدس وضواحيها منذ العام 2003، تعدّ تقارير في كافّة المجالات، وعلاقتها في الغالب مع وكالات في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، ومع مواقع إلكترونيّة في الدّاخل الفلسطينيّ.

تشكو "ح. ب" من عدم وجود تخصّص للصّحافيّ، فهو يكتب في كلّ شيء، سواء تفوّق أم لا.

 

تقول "ح. ب": "كان همّي الأوّل في البداية الوصول إلى مكان العمل، وأن أحقّق اسمًا ونجاحًا في عالم الصّحافة، ولعلّ هذا الاندفاع كان سببًا في عدم إلحاحي فيما يتعلّق بالأجر الّذي لم يتجاوز الـ 2500 شيقل، وهو مبلغ قليل جدًّا، ويبقى كما هو، بل تكثُر المهام الصّحافيّة المطلوبة ولا يتغيّر."

 

وتضيف "ح. ب": "هذا هو الحال في منطقة القدس وضواحيها، الأجر لا يكفي لإعالة عائلة، باستثناء بعض الأدوار البعيدة عن الموضوعيّة، والّتي قد تتبعها رشاوى، لكنّ النّسبة العالية من الصّحافيّين حالهم كحالي."

 

لخّصت "ح. ب" عددًا من الأمور الّتي تثير أعصابها، من بينها: "أن يختار صحافيّ منطقة ما بعيدة عنه ليكتب عنها من دون مصداقيّة، وفي بعض الأحيان تكون كتابته مسروقة، أو غير دقيقة من الوجهة المهنيّة. وأيضًا عدم تحديد أوقات للعمل، أو أوقات غير محسوبة ومتغيّرة مقابل أجر ثابت، خاصّة في العمل الميدانيّ، ناهيك عن عدم وجود لا رقيب ولا حسيب على الأخطاء اللّغويّة والإملائيّة والسّرقات الصّحافيّة."

 

وتعتقد "ح. ب" أنّ "هناك نوعًا من المساواة في فرص العمل بين الرّجل والمرأة في القدس، بل هناك عدد من الصّحافيّات والمراسلات اللّواتي برزن بسبب نشاطاتهنّ في هذا المجال، لكنّ المناصب المؤثّرة في وسائل الإعلام لا تزال بيد الرّجل، وما من شكّ أنّني كغيري نتوق إلى منصب يمنحنا استقرارًا مهنيًّا وماديًّا، ومكانة تليق بقدراتنا."

 

الصّحافة قادرة على إحداث نهضة للشّعوب!

 

ديمة الجمل أبو أسعد (إعلاميّة، لقب أوّل في اللّغة الإنجليزيّة من جامعة دمشق، ولقب أوّل علوم سياسيّة وصحافة من كلّيّة عيمق يزراعيل).

 

برزت الإعلاميّة ديمة الجمل أبو أسعد خلال تجربتها المهنيّة الّتي تجاوزت الـ 5 سنوات، من خلال عملها في إذاعة الشّمس، فكان تقدّمها المهنيّ سريعًا، فمن مقدّمة أخبار إلى مقدمة برنامج إخباريّ (حصاد اليوم)، ثمّ إلى محرّرة نشرة إخباريّة.

 

تقول ديمة: "لم يكن من السّهل على كثيرين أثناء عملي تقبّل فكرة أن أفرض وجودي، لكنّي رأيتُ ولا أزال، أنّ نجاح المرأة في مهنتها، وخاصّة في الإعلام، منوطٌ بقدرتها على فرض وجودها وقدرتها على استيعاب مهنتها من أجل تسريع تقدّمها في المناصب الإداريّة، وهو أمرٌ ليس سهلاً في الكثير من وسائل الإعلام المحلّيّة، للأسف."

 

وترى ديمة أنّ فرص العمل في المجال الصّحفيّ والإعلاميّ ليست كبيرة، خاصّةً بعد تجربتها الشّخصيّة، حين رأت نفسها بلا بديلٍ.

 

بالمقابل، تؤمن أبو أسعد "أنّ الأمر يحتاج إلى مثابرة وسعي نحو التقدّم من الإعلاميّين، والإصرار على نيل الحقوق دون تساهل أو تهاون، ليس من أجل مصلحة الإعلاميّ فقط، وإنّما من أجل مجتمعٍ كامل، فالصّحافة النّظيفة المهنّيّة قادرة على تغييرِ الواقعٍ ورفع المستوى الثّقافيّ لدى الشّعوب، بل هي في بعض الأحيان تكون سببًا في إحداث ثورات ونهضات شعوب كانت في سبات عميق."

 

استفادت ديمة من تجربتها في الإعلام عبر الانتشار السّريع، والانكشاف على المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل، وفهم الكثير من الوقائع الاجتماعيّة والسّياسيّة.

 

لكنّها من وحي تجربتها الشّخصيّة تطالب الإعلاميّين، وخاصّة شريحة النّساء، ألّا يدعوا الصّمت ينتزع حقوقهم في الحياة الكريمة، وليس هناك من سبب مقبول يجيز لأحد السّكوت عن الغبن والتّمييز، فالتّحدّي هو السّبيل الوحيد للوصول إلى مواقع اتّخاذ القرار، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بالنّساء.

 

"لا مكان للصّحافة الحرّة في ظلّ صحافة تجاريّة"

روزين عودة (صحافيّة، تلفزيون "احنا").

عن بدايتها في عالم الصّحافة تقول روزين عودة: "كنت أبحث عن عمل لأستكمل تعليمي الجامعيّ، فتقدّمت لإحدى المؤسّسات الإعلاميّة المعروفة، وتمّت الموافقة على عملي كموظّفة، وسرعان ما تقدّمت في مجال العمل بفضل اهتمامي الشّخصيّ وتطوير نفسي من خلال عدّة دورات وقراءات مكثّفة، ولعلّ ذلك جعل المنافسة تشتدّ مع بعض الزّملاء في العمل، ثمّ بدأت أتقدّم في مجال الصّحافة المكتوبة، بفضل التّقارير والتّحقيقات التي أجريتها خلال عملي في المؤسّسة، وقد لاقت كتاباتي استحسانَا وتشجيعًا كثيرًا من بعض المقرّبين، سواء في العمل أو في المحيط الخارجيّ، أو حتّى من القرّاء، لكن ثمّة أشخاص لم أشعر أنّهم يمنحونني أيّ تقدير واهتمام، بل على العكس، كان في تعاملهم معي تجاهل واضح، رغم معرفتهم، ومن أولى منهم بهذه المعرفة، عن المشاق والجهود الّتي تبذل ليخرج عملنا الصّحافيّ إلى النّور."

وتضيف عودة: "لعلّ انعدام التّخصّصات الصّحافيّة في مجتمعنا الفلسطينيّ في الدّاخل دفعني إلى أن أشعر بالمسؤوليّة الكبيرة عن الكثير من القضايا الّتي نعيشها، فكتبت عن المرأة، والحقوق، والعائلة، والصّحّة، والجمال، والبيئة، والاقتصاد، والرّياضة، وغيرها من المواضيع."

وتواصل حديثها باستهجان: "ما يثير استغرابي، أنّنا كصحافيّين نتبنّى المبادئ والأخلاقيّات والحقوق، لكنّ الصّحافيّ يحرم الكثير من الحقوق، لذا سألت نفسي بعد اطّلاعي على حقوقي: أين السّاعات الإضافيّة؟ لماذا هي غير مدفوعة؟ لماذا لا تدفع السّاعات المتأخّرة في ورديّة اللّيل؟ لماذا لا يحصل الصّحافيّ (المراسل) على مصاريف المواصلات؟ وغيرها من الأسئلة الصّعبة."

تقول عودة: "ما جعلني أتمسّك طوال الوقت بعملي هو حبّي للمهنة، وتشجيع الآخرين على التّغاضي عن الأمور (الثّانويّة)، من أجل مزيد من النّجاح وتحقيق الذّات."

أمّا بخصوص مقصّ رئيس التّحرير، فإنّ لعودة رؤية نقديّة لكلّ ما يتعلّق بالمؤسّسات الإعلاميّة الّتي تعتمد على الإعلانات التّجاريّة، وهي تقول: "ليست لديّ مشكلة في شطب جزء من المادّة أو حذفها إن كان ذلك يخدم الفكرة ويقوّي النّصّ، لكن أن يأتي الحذف لدواع تجاريّة، فإنّ أمرًا غير مبرّر وغير مقبول يجعلني أرفض ذلك بقدر ما أستطيع، لكن الحقيقة المرّة تكمن في أنّ ذاك المُحرّر / رئيس التّحرير قد يلغي تقريرًا ذا قيمة اجتماعيّة وثقافيّة من أجل خبر تافه عن هيفاء وهبي، مثلاً!"

وتؤكّد عودة أنّ المرأة والرّجل يعانيان من إجحاف واضح في صحافتنا العربيّة، فالمرأة قد تعاني من التّمييز وقلّة فرص العمل لأنّها امرأة، والرّجل أيضًا يتأثّر حاله سلبيًّا بسبب الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة الّتي تمرّ بها المؤسّسات الإعلاميّة، الأمر الّذي يفرض عليه واقعًا مجحفًا، سواء كان ذلك مرتبطًا بالرّاتب أو حتّى بشروط العمل الأساسيّة.

وتقول عودة: "إنّ بعض المصالح والمؤسّسات الإعلاميّة والتّجاريّة تفتقر إلى أسس المهنيّة والتّعامل وفق الكفاءات والقدرات العالية، لذا فمن البديهيّ ألاّ يكون الشّخص المناسب في المكان المناسب"، "لكن هذا لا يمنع أن يصل أحد إلى ما يصبو إليه، كرئيس تحرير أو مناصب أخرى يتوق لها، فما زال هناك متّسع من الوقت والمكان، حيث يمكننا الاستثمار والتّألّق أيضًا"، بهذه الرّوح التّفاؤليّة كان حديث عودة.

ترى عودة أنّ العبوديّة أصبحت جزءًا من الواقع اليوميّ للصّحافيّات، "فكثيرات منهنّ يعطين أكثر ممّا يحصلن عليه، وكثيرات منهنّ فضّلن عملهنّ على حياتهنّ الاجتماعيّة والعائليّة، لكنّ المقابل لهذا العطاء هو ثمن بخس لا يليق بهنّ، لذا ترينني أسأل: من يمنحهنّ الشّعور بالرّضا؟! من يكافئهنّ على عملهنّ وإخلاصهنّ في العمل؟! من يقدّر لهنّ الأخبار بمستواها الرّاقي؟! كلمة "شكرًا"، "يعطيك العافية"، لم نعد نسمعها، وإن سمعناها فهي لإسكاتنا عن المطالبة بالتّقدير المادّيّ الّذي نستحقّه!"

ومتابعةً للنّقاش حول عبوديّة المرأة في الصّحافة والتّمييز ضدّها، كان لنا هذا اللّقاء مع الصّحافيّ وديع عوادوة (رئيس تحرير صحيفة حديث النّاس)، الّذي قال بالحرف الواحد: "لا علم لي بوجود تمييز على خلفيّة جندريّة في ظروف العمل داخل المؤسّسات الإعلاميّة العربيّة"، "لكنّ الشّروط الّتي يعمل فيها الصّحافيّون العرب صعبة، وحتّى من النّاحية الحقوقيّة النّقابيّة، هنالك حاجة لإجراء إصلاحات كبيرة، ينبغي أن يقودها الصّحافيّون أنفسهم بتنظيم أنفسهم في إطار، لكنّ الأمر يتطلّب أيضًا رفع مستوى كفاءاتهم المهنيّة بالتّدريب والتّعلّم والمثابرة."

 

ويعزو عواودة غياب العنصر النّسائيّ في طواقم التّحرير إلى عدّة أسباب، من بينها: "ارتباط الأمر بالتّركيبة الذّكوريّة للمجتمع العربيّ حتّى اليوم، بالإضافة إلى تفضيل المرأة العمل في إطار أقلّ صعوبة واستهلاكا للوقت، خاصّة إذا كُنّ متزوّجات أو مقبلات على الزّواج، ويبدو أنّ الكفاءات النّسائيّة تنجذب لوظائف مضمونة، فتراهنّ يتوجّهن للتّعليم، لكنّ الأمر يختلف عندما يجري الحديث عن وسائل الإعلام الأجنبيّة الّتي تستقطب الصّحافيّات المميّزات، خاصّة في مجال التّلفزيون، حيث تتوفّر الشّروط المهنيّة الممتازة، ويأتي ذلك على حساب وسائل الإعلام العربيّة الّتي تفتقر للقاعدة الاقتصاديّة المتينة."

 

وعن الوجود النّسائيّ في "حديث النّاس"، يقول عواودة: "تعمل في الصّحيفة مراسلتان، لطيفة اغباريّة وآمال الحاج، وهما تشكّلان 50% من المراسلين، ونصبو لدمج كفاءات نسائيّة في مجال التّحرير، قريبًا."

 

ويؤكّد عواودة على أنّ عمل المرأة في الإعلام المحليّ غير مرضٍ، لا كمًّا ولا كيفًا، رغم أنّ الصّحافة الفلسطينيّة شهدت قبل النّكبة مبدعات وكاتبات كان لهنّ دورًا بارزًا في الصّحافة المحلّيّة، بينما نتابع المشهد الإعلاميّ اليوم فنرى أنّ هناك تفوّقًا جنسانيًّا للرّجال، لأسباب ذكرناها.

 

ورغم سوء الواقع، يعتقد عواودة أنّ المجال مفتوح أمام النّساء بعد "لرفع مستوى المهنة، بأخذ فرصهنّ في التّعلم والتّدرّب، والعمل بشكل متساوٍ مع الرّجال، علمًا أنّ الذّكور أيضًا يحتاجون إلى المزيد من المهنيّة وتحسين القدرات."

 

ويعلّق المحرّر في صحيفة "كلّ العرب"، سهيل كيوان، فيقول: "لا يمكن فصل الصّحافيّة عن واقع المرأة في مجتمعنا العربيّ، الّذي تعاني فيه من التّمييز ضدّها، فرغم أنّ هناك صحافيّات متميّزات في ’كلّ العرب‘ وبعض الصّحف، لكنّ انعدام المساواة تجاه المرأة العربيّة من شأنه أيضًا أن يعيق تقدّم الصّحافيّات، لكنّ المرأة أيضًا قد لا ترضى بشروط عمل الصّحافيّ المُتعبة بشكلٍ عام، وما يرتضيه الرّجل من تأخيرٍ وعمل مسائيّ قد لا ترتضيه المرأة، خاصّة المتزوّجة."

 

يضيف كيوان: "لا أنكر أنّ هناك ظروف عملٍ مجحفة بحقّ النّساء الصّحافيّات، لكنّ الرّجل لا يتفوّق عليهنّ بالحقوق، فهو يشبهها في الاستغلال وظروف العمل القاسية، أو الوضع الاقتصاديّ الصّعب الّذي يفرض على المؤسّسات الإعلاميّة دفع أجور دون المطلوب."

 

ويرى كيوان أنّ صحيفة "كلّ العرب" وموقعها، والكثير من الصّحف، منحت مساحات عمل للمرأة في مواقع التّأثير، ويذكّرنا بأسماء لإداريّات وصحافيّات كُنّ وما زلن في "كلّ العرب"، وفي "الصّنارة"، وفي صحيفة "الاتّحاد"، و"فصل المقال" وسواها.

 

ويتساءل كيوان: "هل تعتقدون أنّ المرأة وحدها هي المُستغلّة؟! ألا يتمّ استغلال خريجي المعاهد الإعلاميّة الّذين يبحثون عن مهنة؟! ألا يتمّ استغلال الرّجل والانتقاص من حقّه في الحصول على زيادة في الأجر تمكّنه من السّفر وإيجاد أخبارٍ وتقارير مميّزة فيها فائدة لمجتمعنا العربيّ؟! ألا يكون هذا الاستغلال سببًا في انخفاض مهنيّة الصّحف والمواقع الإلكترونيّة؟! ماذا يمكن لصحافيّ يريد إعالة عائلته أن يفعل عندما يقتطعون من أجره، بينما هو يحتاج لكلّ قرش؟!

 

وفي تساؤلاته يرى كيوان أنّ العامل المادّيّ هو الخنجر الّذي يطعن به الصّحافيّون المتميّزون، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.


(+ اضافة تعقيب )
تعقيبات