اخبار صحافية>>
"عزرائيلي" يمنع دخول 41 مسنًا من شفاعمرو، ويوضح: الحارس، يتأتىء!!
امر توقيف لعمر سعد من المغار لرفضه الخدمة العسكرية
شباب من البعينة نجيدات يحيون ذكرى النكبة
محمد بكري : إنهم يحاربون الفن
تم إعداد هذه النشرة بمساعدة من الاتحاد الأوروبي.
محتويات هذه النشرة من مسؤولية مركز إعلام ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجهات نظر أو آراء الاتحاد الأوروبي.
أفكارٌ في "لغة" الصحافة!

بقلم: مرزوق الحلبي

قراءة دور الصحافة العربية في إسرائيل من خلال "لغتها"، تُفضي بنا إلى الاستنتاج بأنها عاملٌ يشارك عوامل أخرى في تكريس الوضع القائم وإدامته؛ فهي تبدو من خلال هذه "اللغة" جزءًا من القوى القابضة على روح الجماعة، تلعب لعبتها وتحتك بها إلى حدود غياب الفارق بين هذه القوى وبين الصحافة، وهو الادعاء الذي سنحاول أن ندافع عنه في هذه المداخلة وتبيان صحته.

أما "اللغة" التي نقصدها، فهي ليست المفردات والقاموس اللغوي فحسب، بل الموضع الذي تتحدث منه الصحافة وتلك الرسائل الاستراتيجية التي تبثها، والأشكال المرئية لأدائها من صور وعناوين ومواقع المواد وترتيبها، هي ذاك البثّ الصادر عنها في المجمل، خاصةً المبطن منه. فهي في كل هذا تسعى إلى تمثّل الجماعة العربية هنا والنُطق باسمها. هذا، من حيث المنطلق والادعاء على الأقلّ، بينما يحصل للصحافة أن تنحرف وتشطّ عن ذلك في أدائها أو فيما تنشره، إلا أن تمثّلها الجماعة والخروج عن هذا التمثّل إنما لا يغيّر في الرسائل المبثوثة ولا في اللغة المستعملة ولا في المحصّلة.

تمثّل الجماعة ـ نلاحظ أن الصحافة العربية في البلاد تنطق على الغالب من حنجرة القيادات والمجتمع وتمنحها مساحاتٍ هائلة، أو هي تنطق باسم الجماعة مقابل السلطات والمؤسسة الحاكمة في استجوابها وزيرًا أو مسؤولًا. فدائمًا ما يحضر في لغتها سؤال مثل "وأين العرب من كل هذا؟"، أو "وماذا مع العرب؟"، و"لماذا لا تحققون المساواة للعرب!"، وما إلى ذلك من أسئلة الجانر نفسه. يبدو الأمر في غاية المهنية لأنه يشكّل دفاعًا عن حقوق العرب أو انتصارًا لمطالبهم، إلا أن حصر الأداء على هذه الخانة أو ضمن هذه "اللغة" يعني التحرّر من تبعات التحقيق الصحفي الداخلي وسؤال الذات ونقدها. غالبية الإعلام يُفضل التمحور في مساءلة السلطة المركزية وإعفاء "السلطة" الداخلية من الأسئلة، أو بلغةٍ أخرى، تعمل الصحافة المحلية على خانة السياسة الهويتية مثلها مثل كل القوى الحزبية وغير الحزبية، دون أن تكون قادرةً على اللعب في خاناتٍ أخرى، فهي تسأل سؤال الهوية ومنها، وهو مصدر الرسائل الأخرى التي سنأتي عليها هنا.

سؤال الضحية ـ استنادًا إلى ما تقدّم، تحكي الصحافة المحلية لغة الضحية، فعادةً ما تأتي رسائلها بكائياتٍ لا تنتهي وتحسّرًا وتذمّرًا وشكوى، كأنها "تنبض بإحساس الشارع" وتنقل "هموم الناس"، أو "ترفع صوت الجماعة المضطهَدة"، لكنها من حيث لا تعي تكرّس ثقافة الشكوى والتذمّر، ولغة تعليق كل مشاكل المجتمع والجماعة على شمّاعة الآخر ـ السلطة والمؤسسة والأكثرية اليهودية، فكم مشكلةً عندنا برّرتها الصحافة بالتمييز ضد العرب! وكم مرةً قالت "سياسة التمييز في الميزانيات" لدى وصفها وضع سلطاتنا المحلية التي يكمن سبب إخفاقتها في أداء الرؤساء والسياسة الداخلية في بلداتنا! هنا أيضًا تخفّ حدة النقد الذاتي أو تختفي لهجة النقد تمامًا لصالح مقولات الضحية وبكائياتها وتظلّمها!

صحافةٌ لا تنظر إلى الداخل ـ الصحافة عندنا خفيفة اليد على الزناد فيما يتصل باتهام الآخر في كل آفةٍ أو ظاهرةٍ سالبة، أو صدعٍ أو حدثٍ ذي طابعٍ إشكالي، فإذا اقتتل اثنان فإن الآخر هو السبب، وإذا قتل أحدهم في شجارٍ عائليٍّ فإن السلطة هي المذنبة. وكذلك حيال الاقتتال الطائفي أو العنف أو الفساد. مثل هذه "اللغة" تُعفي المجتمع من المسؤولية وتصدرها إلى الآخر، بما يعنيه من شرطةٍ مرةً، أو وزارةٍ، أو مؤسسةٍ أو جهاز. والصحافة تتخذ حيال الظواهر موقفًا أوتوماتيكيًّا على الغالب، فتردد الاتهامات للآخر وتصفه هي بكلماتها أو بكلمات المقتبس من صاحب شأنٍ بأنه المسؤول عن كل صغيرةٍ وكبيرة. لا نستطيع تبرئة ساحة السلطة مما يحدث، لكن لا يُمكن لصحافةٍ مهنيةٍ أن تردد الاتهامات دون أن تفحص وتحقّق لمجرّد مسايرة الجماعة أو تَبَنّي نفسيتها، ودون أن تنظر إلى الداخل.

صحافةٌ لا تكسر قوانين اللعبة ـ صحافتنا "تسير الحيط الحيط وتقول يا ربّ السترة" في عموم تناولها للشأن الداخلي، فهي محابيةٌ على الأغلب وتنتقد رفعًا للعتب وليس ضمن منهجية عمل.

ليس صدفةً أن يكون من النادر اليوم العثور على تحقيقٍ صحفيٍّ بمعناه المهني لقضيةٍ أو مسألةٍ أو حدث؛ كأن هناك اتفاقًا ضمنيًّا يقضي ألا يقول أحد الحقيقة لأحد، وإذا جرؤ البعض فإلى حين تسكته صحيفته أو مالكُها. هناك ديناميكا يريد فيها الجميع حفظ خط الرجعة مع الجميع، أو هناك تفاهمٌ على "ألا تقرّب صوبي كي لا أقرّب صوبك"، أو "لا تدوس ذيلي فلا أدوس ذيلك"! تبدو الصحافة ميالةً إلى تبني هذا الخط العام والسير فيه كي تظلّ مقروءةً أو مقبولةً على الجمهور. صحافةٌ لا تكسر قوانين اللعب هي صحافةٌ لا تغيّر ـ إلا إذا افترضنا أن مهمتها ليست التغيير!

نقديةٌ محدودة الضمان ـ لا نستطيع القول إن الصحافة لا تتضمن مواقف نقديةً أو توجهاتٍ نقدية، لكنها تأتي ضمن الحلقة ذاتها من التفكير والأداء. نقدٌ لموقف حزبٍ أو خصمٍ سياسي، نقدٌ لسياسة رئيس سلطةٍ محليةٍ تأتي من خصومٍ أو تصفية حساباتٍ مردّها ذاتية الكاتب، لكن ما من صحيفة تنتقد "الطريقة" أو الثقافة السياسية كلها، أو النفسية العامة التي تحرّك الأمور داخل المجتمع؛ وإذا فعلت فهي لا تفعل ذلك من ذاتها في افتتاحياتها، بل تفضل أن يفعل ذلك آخرون ـ كتابٌ مستقلون أو أناسٌ في الحقل تقتبسهم أو تعطيهم منبرًا. ونستدرك هنا لنؤكّد أن هذا لا يعني وجود حرية صحافةٍ وجريانًا حرًّا للمعلومات والآراء، لكن يحدث أن تستحسن الجريدة موقفًا فتنشره، ويحدث، أيضًا، أن تمتنع عن النشر لأن المادة تخالف رأيها أو توجهها، أو يضعها في تعارضٍ مصلحيٍّ مع جهةٍ ما، بمعنى أن ليس للصحافة فيما تنشره رسالةً نقديةً تغييرية، وإنما مزاجٌ عامٌّ متقلبٌ لا يستقرّ على حال.

اتباعٌ بغير إبداع ـ تتجلى الصحافة تابعة، تدور في فلك المجتمع تداوره وتناوره، طرف له باعتباره المحور، كأنها تترجمه بكثيرٍ من المبالغة في التمثّل. فهي تتبعه مغمضة العينين بدون فحصٍ لتحولاته واحتياجاته ورأيه فيها، أو فيما تقدمه (نعرف عن مراتٍ قليلةٍ جدًّا جدًّا أجرت فيها وسائل الإعلام العربية استطلاعًا للرأي بين الجمهور لغرض دراسة أدائها أو توجهاتها). فكأنها تضيّع نبض المجتمع فتبالغ في تمثّله لئلا تفقد صلتها به، وهو ما يُفضي إلى أن تتصوره بشكلٍ لا إبداع فيه ولا جديد، فإذ كل سؤالٍ لك عن طبيعة الأداء يُواجه بإجابةٍ حاضرةٍ مثل "هيك الجمهور بدو"، أو "ما حدا من القراء قدملنا ملاحظة"! "بالعكس الناس مبسوطة على الجريدة"!

ليس للصحافة المحلية مجتمعةً أو منفردةً هوية، كلها متشابهةٌ في أخبارها، حتى تلك الحصرية منها، صحفٌ هي نُسخٌ عن بعضها في المجمل، خاصةً عندما تنشر جميعها خمس أو ست أخبارٍ أو مواد، وصلتها بالفاكس من خمس أو ست جهاتٍ وأبقتها كما خلقها ربها؛ نقول هذا وإن كنا نرى بعض الفوارق هنا وهناك، لكنها ليست الصفة الأبرز.

الدراما ـ صحفنا، المحلية منها بوجهٍ خاص، مولعةُ بالدراما، وهي تبدأ بعنونة الأخبار الجارية والعادية جدًّا بـ "حصريًّا..."، أو "خاصٌّ بـ..."، وتنتهي بكلامٍ كبيرٍ ومبالغاتٍ لفظيةٍ لا علاقة بينها وبين الواقع، أو دون أي رابطٍ مُقنعٍ بين العنوان الكبير وبين متن الخبر. إلا أن المبالغة لا تنحصر في المادة، بل هي صفة اللغة الإعلامية عمومًا، خاصةً عندما يكون الأمر بشأن سياساتٍ قمعيةٍ أو اضطهاد. ولننتبه إلى أفعال القلوب في هذا المضمار كم هي طاغيةٌ في عناوين ومنشيتات الصحف ولغتها، فالأشياء لا تسمى بأسمائها كما يُدّعى، بل تأتي صفاتها أكبر منها وأبعد من مواقعها. فكم مرةً ننعت تحركًا شعبيًّا بالنضال، وكل ما في الأمر هو عقد اجتماعٍ تشاوري؟! وكم مرةً ننعت فلانًا بـ "مناضلٍ" وهو في حقيقة الأمر يقوم بواجبٍ إنسانيٍّ أولي؟! لكن الأمور تأخذ ألفاظًا فضفاضةً في توصيف أحداث عنفٍ أو اعتداءاتٍ بوليسية.

 وأخيرًا، طرأت على السوق الإعلامية طفرتان هامتان في العقدين الأخيرين، طفرةٌ في الصحافة الورقية تمثّلت في ازديادٍ هائلٍ في الصحف، لا سيما المناطقية والمحلية، وطفرةٌ أخرى في الصحافة الإلكترونية، تجسّدت في انتشار مواقع الإنترنيت القطرية والمناطقية كأنها السيول المتدفقة، بمعنى أن عدد الوسائل الإعلامية عندنا تضاعفت مئات المرات في عقدين. إلا أن هذه الزيادة لم تتحول إلى تعدديةٍ حقيقية، ولا إلى نوعيةٍ إعلاميةٍ مؤثّرة، بدلالة أن مقالًا واحدًا لكاتبٍ عربيٍّ في "هآرتس" لا يزال يؤثّر أكثر بكثيرٍ من كل ما تنشئه صحفنا من كلامٍ في أسبوع! وهي حالةٌ ينبغي أن تُقلق الصحف ووسائل الإعلام العربية، وتؤشّر على موقعها ومكانتها، فهي على الغالب صحافةٌ لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب المشاعر، وتخطب ودّ جهةٍ أو حزبٍ أو طائفة. لغة المجاملات طاغية، ولغة المشاعر التي تكرّس صورة العربي في نظر نفسه ضحيةً بامتياز، أو مشروع غضبٍ أو استياءٍ لا يُجيد سوى التذمر وتبرير كل صغيرةٍ وكبيرةٍ بسياسات القهر الواقعة عليه من لدن الآخر وسلطته، هي أيضًا طاغية. بهذا تكون الصحافة العربية هنا أخطأت مرتين، حين كرّست دونية العربي تحت ذريعة تمثّله والنطق من حنجرته، وحين لم تؤشّر على بدائل ممكنة.

في نهاية الأمر، ظهرت الصحافة عندنا بمظهر "الملتزمة" بقضايا المجتمع وهويته وتطلعاته ـ وهذا ظاهريًّا فقط ـ وأغفلت دور الاستنارة أو تثوير العقل، وإحلاله مخرجًا من أسر الانفعالية ولغة الضحية.    


(+ اضافة تعقيب )
تعقيبات