اخبار صحافية>>
"عزرائيلي" يمنع دخول 41 مسنًا من شفاعمرو، ويوضح: الحارس، يتأتىء!!
امر توقيف لعمر سعد من المغار لرفضه الخدمة العسكرية
شباب من البعينة نجيدات يحيون ذكرى النكبة
محمد بكري : إنهم يحاربون الفن
تم إعداد هذه النشرة بمساعدة من الاتحاد الأوروبي.
محتويات هذه النشرة من مسؤولية مركز إعلام ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجهات نظر أو آراء الاتحاد الأوروبي.
إعلام إعلانيّ؟!

مطانس فرح

إنّهما عالمان متصارعان متصالحان، صديقان نِدّان، وأنا شاهد حيّ على هذا الصّراع الدّائم ما بين الإعلام والإعلان.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك قوّة عظمى لا يُستهان بها، بتاتًا، لوسائل الإعلام المختلفة، المقروءة منها والمسموعة والمرئيّة، لكيفيّة نقل الأخبار والمعلومات والتّقارير وتأثيرها في بلورة الرّأي العامّ، ولذلك تلعب هذه الوسائل دورًا هامًّا ومصيريًّا، أحيانًا، في حياة الشّعوب. إلّا أنّ للإعلان قوّة مهولة أيضا، وتأثيرًا كبيرًا في حياتنا، لا يقلّ عن تأثير الإعلام ذاته، إن لم يفُقه.

نعم.. فقد باتت الإعلانات تسيطر على حياتنا وتتحكّم بها، بأشكال مختلفة، شئنا أم أبينا! من الصّعب أن تجد، اليوم، وسيلة إعلام منزَّهة عن الإعلانات أو غير «مُسَيَّرة» منها.. فهل أصبح الإعلام في قبضة الإعلان؟!

تُضطّرّ وسائل الإعلام المختلفة، أحيانًا، إلى نشر إعلانات لا تتماشى وفكرها السياسيّ و/أو رسالتها الاجتماعيّة، و/أو حتّى مبادئها الوطنيّة، راضخة لواقع مرّ أليم.. إذ أنّ استمراريّة وجود وسيلة الإعلام باتت مَنوطة بالإعلانات.

لا يمكن لأيّ وسيلة إعلام كانت أن تستمرّ في عملها من دون «فتح أبوابها» للإعلانات، للاستفادة من مردودها المادّيّ؛ إلّا أنّ الأمور غالبًا ما تختلط، فتجد أنّ الإعلانات ومكاتب العلاقات العامّة باتت تسيطر - بشكل أو بآخر، بنسبة أو بأخرى - على الوسائل الإعلاميّة، فتشترط نشر إعلان معيّن بنشر مادّة إعلانيّة (إخباريّة)، وفي حالات أنكى، أصبحت مكاتب العلاقات العامّة تتحكّم بوسائل الإعلام، فتحاول التّأثير فيها،  فتمنع نشر بعض الأخبار وتسمح بنشر بعضها الآخر.. لذا لا يوجد إعلام حرّ، تمامًا!

إنّ الأمور تختلف من وسيلة إعلام إلى أخرى.. فهناك وسائل إعلاميّة تحترم فكر وعقل القارئ/ المستمع/ المشاهد، فلا تبالي وتبالغ في نشر الإعلانات أو الأخبار الصّفراء..  فما أكثر هذه الأخبار «التّافهة» والبرامج التّلفزيونيّة المنتشرة في المواقع الّتي لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، وتعامل وتتعامل مع المتلقّي بكلّ سفاهة.

من الصّعب فصل الإعلام عن الإعلان، ولكن من الضّروريّ أن يكون كلّ من يعمل في وسيلة إعلاميّة صاحب رسالة ومبادئ وضمير.. وليس تاجرًا للوسيلة الإعلاميّة.

لقد اضطّرّت بعض الوسائل الإعلاميّة - قبل فترة ليست ببعيدة - إلى نشر إعلان يدعو إلى الخدمة المدنيّة ويشجّع على الالتحاق بها، راضخة للأمر الواقع المرير، عاملة على نشر هذا الإعلان الحكوميّ - رغم تعارضه ومبادئها الوطنيّة - ضمانًا لاستمرار وجودها، وترخيصها.. واقعة تحت تأثير المؤسّسات الحكوميّة.

غالبًا ما تشترط المكاتب الإعلانيّة على الصّحف نشر إعلانها في مكان معيّن أو قبالة خبر ما.. فأذكر أنّه في إحدى حملات شركة «عيليت»، رفضت الشّركة أن تُنشرَ إعلاناتها الّتي حوت صورًا لأنواع من الشوكولاطة، إلى جانب تقرير في الصّفحة المقابلة حوى صورًا لأطفال فلسطينيّين شهداء، في صحيفة «هآرتس»؛ فتمّ بذلك وقف الحملة وعدم استمرار النّشر في الصّحيفة.

إنّ الحدث الأبرز الّذي يجسّد تأثير الإعلان في الإعلام، هو حركة الاحتجاجات الأخيرة الّتي اجتاحت البلاد قبل أزيَد من سنة؛ فقد كانت تغطية هذه الاحتجاجات بائسة، وتمّ تكريس حيّز ومساحة محدّدين لها في الإعلام لإرضاء القيّمين على الوسائل الإعلاميّة المختلفة (الحِيتان) ورجال الأعمال، فمن مصلحتهم عدم نشر هذه الاحتجاجات في وسائلهم الإعلاميّة؛ ولهؤلاء «الكبار» كان تأثير مقيِّد في المحرّرين!

وأحيانًا، تُضطرّ شركة الإعلان إلى الرّضوخ لضغوطات الشّارع، وذلك ما حدث عندما قامت شركة «سلكوم» للهواتف النّقّالة بنشر دعاية إعلانيّة للعبة كرة قدم إلى جوار جدار الفصل العنصريّ بين فلسطينيّين وجنود إسرائيليّين، ما اضطَرّها إلى سحب الإعلان وإصدار بيان اعتذار.

إنّ صراع بقاء الوسائل الإعلاميّة منوطٌ بالإعلانات؛ وفي الوقت ذاته، لا يمكن أن يصل الإعلان إلى هدفه دون الاستعانة بوسيلة إعلاميّة.. فهذان «التّعاون» و الصّراع بين الإعلام والإعلان سيبقيان، على أمل ألّا يتحوّل الإعلام إلى إعلان، والإعلان إلى إعلام!

(صحافيّ حيفاويّ - مدير تحرير صحيفة "حيفا").


(+ اضافة تعقيب )
تعقيبات