اخبار صحافية>>
"عزرائيلي" يمنع دخول 41 مسنًا من شفاعمرو، ويوضح: الحارس، يتأتىء!!
امر توقيف لعمر سعد من المغار لرفضه الخدمة العسكرية
شباب من البعينة نجيدات يحيون ذكرى النكبة
محمد بكري : إنهم يحاربون الفن
تم إعداد هذه النشرة بمساعدة من الاتحاد الأوروبي.
محتويات هذه النشرة من مسؤولية مركز إعلام ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجهات نظر أو آراء الاتحاد الأوروبي.
يوم الأرض من منظور الإعلام الإسرائيلي

نبيه بشير

بات جليًا لنا جميعًا، أن وسائل الإعلام المختلفة ليست قناةً تنقل المزاج الجماهيري إلى الجهاز الحكومي والتشريعي والعكس، أي تنقل القرارات والمزاج السائد بين السياسيين إلى الجمهور، وإنما هي وسيلة لبلورة الرأي العام وتطويعه عبر توفير دلالات ومفردات ومعلومات معينة وربط بعضها ببعض، وبالتالي رسم صورة "منطقية" من العسير على القارئ "الخامل" أن يخترقها ويحلّلها؛ ومن هذا المنظور، يعتبر الإعلام جزءًا لا يتجزأ من أجهزة الدولة أو الأمة المهيمنة، وينتج عن أهداف تلك الأجهزة وتفاعلاتها بعضًا ببعض. وبصفته جزءًا من أجهزة الدولة ومن النخبة المهيمنة في المجتمع الإسرائيلي، فإنه يعتبر جهازًا إقصائيًّا يعزز هامشية المهمشين ويتغذى على الإجماع الجماهيري (الصهيوني الإقصائي) أحيانًا، وينتجه أحيانًا أخرى.

لاعتبارات أيديولوجية وسياسية وتسويقية، يستعين الإعلام غالبًا بإيحاءات ومفردات تحمل دلالات رمزية لتحويل الحدث إلى حدث مأساوي أكثر مما هو عليه فعليًّا، ما يترك آثارًا عميقة في وعي القارئ كإثارة التداعيات الذهنية وشبح التهديد الشخصي لديه، خاصةً في سياق الحديث عن الجماعات المهمشة في المجتمع، مثل الأقليات القومية ومجموعات "المنحرفين" السياسيين (مثل المتظاهرين)، ما يفضي بالتالي إلى نزع الطابع السياسي عن مظاهر الاحتجاج ومطالبات المتظاهرين. يستند كل ذلك إلى مفاهيم واصطلاحات مستمدة من مدرسة "المشكلة الاجتماعية"، كالفوضى، والعنف، والتخريب، ومعاداة السامية، وغيرها.

توقفت لأدبيات البحثية، في الفترة الواقعة بعد حرب العام 1973، عن التحول الطارئ على دور الصحافة الإسرائيلية المتمثل في النقد الذاتي حول تهميش دور رقابة السلطة الرابعة (وسائل الإعلام المختلفة) لعمل أجهزة الحكم في إسرائيل ونشاطاتها؛ ولا يمكن لمس هذا التحول من خلال تناول الإعلام الإسرائيلي المجتمع العربي، وإنما انحصر هذا التحول في تناولها لقضايا المجتمع اليهودي فقط، وقد استمر الإعلام الإسرائيلي - على اختلاف أشكاله وقنواته - بتبني موقف المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأمنية على حدٍّ سواء، وفي أحسن الحالات تشير إلى "آراء" بعض القيادات العربية وتضعها بين مزدوجين.

وإذا اعتمدنا على تقارير صحيفة "هآرتس" نموذجًا للإعلام الإسرائيلي من يوم اتخاذ القرار بالإضراب يوم 30 آذار 1976 (ذلك القرار الذي اتخذ في منتصف شباط)، يتضح أن الصحيفة قد أقدمت على توصيف الإضراب منذ الثالث من آذار بوصفه تهديدًا بالغًا على الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، وقامت بتوصيف الإضراب قبل حدوثه (بدءًا من يوم 3 وحتى 29 آذار) بأنه "يوم اضطرابات" و"عنف وحشي"، وبمفردات مستقاة من عالم الإجرام: "عنف"، "تحريض"، "فوضى"، "اضطرابات"، "همجية"، "حجارة" وغيرها، وبأنه فعليًّا صراع بين المجتمعين اليهودي والعربي في البلاد؛ ولخّصت الأسباب التي أفضت إلى اتخاذ هذا القرار على أنها جاءت بفعل شدة "التحريضات الخطيرة" الداخلية والخارجية، والاعتراض على "الحضور اليهودي في الجليل"؛ وذهبت إلى أنه يتعين على مؤسسات الدولة التعامل مع الإضراب وقياداته انطلاقًا من مفهوم توجيه الصدمة واعتماد الأجهزة القمعية كالشرطة، و"قوى الأمن"، والأدوات العنيفة؛ وعللت بعد يوم الإضراب سقوط عدد كبير من القتلى والإصابات الجسدية البالغة بين صفوف المتظاهرين أنه ناجم من حدة "عنف المتظاهرين."

استقى الصحافيون معلوماتهم خلال هذه الفترة من المصادر الأمنية والمسؤولين السياسيين اليهود حصريًّا، وكل ذلك جاء بغية شرعنة استخدام القوة العسكرية والعنف الشرطي البالغ ضد المتظاهرين، ونزع الطابع السياسي للإضراب، إضافة إلى استخدام تعابير عبرية تحمل دلالات خاصة مثل تعبير "מאורעות / مئورعوت" (أحداث)، والتي تستعمل غالبًا في المعجم الصهويني لتوصيف عمليات التقتيل والمجازر التي لحقت باليهود في أوروبا منذ العصور الوسطى وحتى العصر الحديث.  

فقد اتسمت التقارير الصحفية الإسرائيلية التي عملت على تغطية الإضراب العام، في 30 آذار 1976، بمساعيها الدؤوبة إلى تفريغ المضامين السياسية من جميع أوجه الاحتجاج، والمظاهرات، والخطابات، والمهرجانات العربية التي جرت قبل يوم الأرض وخلاله، وخاصة تلك المضامين المدنية، واستبدالها بدلالات ومضامين مأخوذة من معاجم علم الإجرام التقليدي، والمعاداة للسامية، والعنف العبثي، والفوضوية الهدامة التي لا هدف لها سوى التخريب والعنف والقتل، وهي المستندة إلى مقولة إن العنف والتخريب هما الهدف ذاته، ولا يحملان دلالات سياسية؛ أضف إلى ذلك طبعًا الاستناد الضمني أو الصريح إلى مقولة المعاداة الأزلية لليهود التي تتغذى من مقولة الفقهاء اليهود القدماء: "عيسو كارهًا [أزليًّا] ليعقوب"، والتي تختصر ذهنية أن البشر جميعهم يعادون اليهود، لا لسلوكهم أو أفكارهم، بل لمجرد كونهم يهودًا. على الرغم من ذلك، تظهر في بعض المقالات والتقارير القليلة عن هذه القاعدة مقولة إن هدف هذا "الشغب"، و"العنف"، و"التخريب" يأتي "للمطالبة بالانفصال عن الدولة إقليميًّا"، والاعتراض على الحضور اليهودي في الجليل، ولكن جميع هذه المطالبات والاعتراضات تحمل طابعًا إجراميًّا وتحريضيًّا أكثر من كونها تحمل أهدافًا سياسية ومدنية.

كذلك، تتمثل إحدى نتائج البحث في تقارير الصحافة الإسرائيلية بتصوير الإضراب، وما أحاطه من نشاط جماهيري، بوصفه تهديدًا للواقع السياسي والاجتماعي في الدولة، إضافة إلى كونه صراعًا ومواجهة مع المجتمع اليهودي بمجمله، لا مع أذرع الدولة وسياساتها. كذلك كشف لنا بعض الباحثين أن الإعلام الإسرائيلي استخدم لغة "التهديد" في مخاطبة السكان العرب وقياداتهم وجماهيرهم، وكأنه طرف عسكري أو شرطي من الصراع، وبأنه رفض جميع الأسباب والمسوغات التي حَدَتْ بالقيادات العربية إلى الإعلان عن الإضراب، وتماهى بشكل كلي مع جميع مسوغات الشرطة، والجيش، والقيادات الإسرائيلية السياسية والأمنية.

مهد الإعلام الإسرائيلي السبيل قبل الإضراب بأيام طويلة لنزع الشرعية عنه كليةً، وتغييب الدلالات والمطالب المدنية والسياسية عنه، واعتمد في العديد من تقاريره ومقالاته النبرة الكولونيالية، بمفرداتها وصورها المجازية وإيحاءاتها المختلفة، فها هو مراسل صحيفة "هآرتس"، يهودا أرئيل، يعبّر في مقالته (3 آذار 1976) عن عدم قدرته على فهم أهداف الإضراب ومن وقف وراء اتخاذه، فالإضراب "يتناقض" مع "العقل" و"الأحاسيس"، ومع جميع "المصالح" والاعتبارات العقلانية والأخلاقية:

إن إنشاء كرمئيل أفضى إلى تطور شبكة الكهرباء، والمياه، والهاتف، والشوارع، وعادت على جميع قرى المنطقة بالازدهار الاقتصادي الاستثنائي الهائل. فبالإضافة إلى العمال العرب المستوعبين في كرمئيل، ثمة المئات من القرويين الذين استفادوا من الخدمات التي أضيفت في محيط كرمئيل، والتي تشمل خدمات كالمواصلات، والنقل، والتسويق وما إلى ذلك. على الرغم من ذلك، لا يود سكان قرى أبناء الأقليات في الجليل سماع ذلك أو الاعتراف بهذه الحقائق.

وأضافت الصحيفة في عنوان آخر يحمل العنوان "إضراب همجي"، أن نقابة العمال العامة في حيفا ومحيطها "لن توفر خدماتها القانونية للعمال العرب الذين يضربون أو يتغيبون عن عملهم يوم 31-3-1976، وسيفصلون لهذا السبب."

ورأت صحيفة "معاريف" في السابع من آذار لعام 1976 أهمية بالغة للإشارة إلى أن "قرارات مؤتمر الناصرة" (6 آذار 1976)، تشمل كذلك توجهًا إلى الأمم المتحدة: "دعا بعض المتحدثين في المؤتمر إلى القيام بإضراب عن الطعام أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك، والتوجه الى الرأي العام العالمي"؛ وذكر مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" في اليوم ذاته: "أن الأوساط الحكومية قد أعربت عن استيائها من قرارات مؤتمر الناصرة واعتبرها أخطر قرارات اتخذت منذ قيام الدولة."

وكذلك، نشرت صحيفة "هآرتس" في 28 آذار 1976، في كلمة المحرر، تحت عنوان "حجارة في وجه العقل"، القول التالي:

إن رؤساء المجالس المحلية العربية الذين صوتوا إلى جانب إلغاء الإضراب [...] يوم الثلاثاء الماضي تصرفوا بحكمة [...] وذلك لأنهم يدركون [حقيقة] أن الإضرابات ذات الطابع السياسي الدولي هي وسيلة خطرة، وأن الاستعانة بها يمكن أن تعود على من يستعملها بضرر بالغ، وربما بضرر أعظم من الهدف الذي يسعى إليه الإضراب.

وجاء في خاتمة كلمة التحرير التهديد الفعلي للسكان العرب في البلاد وقياداته ومؤسساته: "يمكن العمل قانونيًّا ضد هذا القرار (الإضراب)، ومَن يحاول سلوك طريق التحريض والعنف سيتلقى ردًّا مناسبًا."

أما يوم 21 آذار، فقد نشرت صحيفة "هآرتس" على صفحتها الأولى، تقريرًا رئيسًا يحمل العنوان: "يجب اعتماد خطوات جذرية ضد إضراب العرب في 30 من الشهر"، وخرجت هذه الصحيفة في يوم الإضراب بتقرير رئيس على الصفحة الأولى يحمل العنوان: "التحريض في أَوْجِهِ"، وقالت الصحيفة مهدِّدةً: "من يزرع الرياح يحصد العاصفة: إن مخططي الإضراب قد شجعوا على أعمال الشغب، فعليهم ألا يستغربوا من قيام قوات الأمن بإعادة فرض النظام العام."

وقد استخدم الإعلام الإسرائيلي منذ بداية آذار وحتى ما بعده التحريض القادم من طرف منظمة التحرير الفلسطينية، وتوصيف الإضراب ضمن إطار الصراع العربي الإسرائيلي على أنه أحد أهم المسوغات لنزع الشرعية عن الإضراب. وقد نشرت صحيفة "هآرتس" (28 آذار 1976) مقالة رئيسة على صفحتها الأولى تحمل العنوان: "ناشطو الحزب الشيوعي يهددون بتحويل أسماء غير المضربين إلى منظمة التحرير الفلسطينية."

استمر التحريض الإعلامي الإسرائيلي بعد يوم الأرض ضدّ السكان العرب وأحزابه وقياداته، وتعزّز هذا التحريض من خلال الاستشهاد بتحليلات لشخصيات سياسية ومستعربين (متخصّصين في الشؤون العربية)، فقد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عشية "يوم الأرض"، نص محاضرات ألقيت ضمن ندوة شارك فيها باحثون من معهد "شيلواح" في جامعة تل أبيب حول السكان العرب في إسرائيل في أعقاب يوم الأرض. عرض شمعون شامير التطورات التي تجري في المحيط العربي العام، وقام بالإشارة إلى السكان العرب في إسرائيل بوصفهم "كتلة خطرة":

في هذه الأيام، يزيد عدد عرب إسرائيل عن نصف مليون نسمة، ويشكلون كتلة خطرة. وينبغي أن نذكر أن عدد السكان اليهود، عشية إقامة الدولة، لم يزد كثيرًا عن نصف مليون نسمة. [...] تمر إسرائيل في مرحلة جديدة، وتقف على عتبة مرحلة السنين العِجاف. ولم تعد دولة إسرائيل تشع قوةً وثقةً كسابق عهدها.  

كذلك، ارتفعت أصوات عديدة في الشارع الإسرائيلي مطالبة بنزع الشرعية عن الحزب الشيوعي وقياداته، وسحب صلاحيات رؤساء السلطات المحلية العربية. تناول أهرون غيفع مثل هذه المطالبة في إحدى مقالاته في صحيفة "دافار" يوم 6 نيسان 1976، جاء فيه إن ذلك "لن يحسن صورتنا في الخارج (...) وإنه لن يزيل السبب الحقيقي للاضطرابات في الناصرة، والمثلث الصغير، والمتمثل في وجود حركة قومية عربية، أو كما سمعت من عدد كبير من الجنود، قولهم: إنهم يقذفوننا بالحجارة، لأنهم لا يريدوننا هنا."

واستمر الإعلام الإسرائيلي بهذا التحريض سنين طويلة بعد يوم الأرض الأول، وقام بتوجيه التهديد المباشر ضد المواطنين العرب، حتى وصل به الحال إلى أن يقوم بالتلويح بسوط التهجير. ها هو محرر الصحيفة الأكثر رواجًا في إسرائيل "يديعوت أحرونوت"، يتوعدهم قبل حلول ذكرى يوم الأرض في العام 1997 بثلاثة أيام، على النحو التالي (27 آذار 1997):

لا يشمل حق الاحتجاج حق التشويه الدائم، وإغلاق الطرقات، وقذف الحافلات المارة بالحجارة، والتصادم مع الشرطة، أو انتهاك القانون في أي حالة من الحالات. مرة أخرى، يجدر أن يكون واضحًا للعرب الإسرائيليين أن القدر الكبير من إسرائيليتهم يقوم على ولائهم للدولة ولقوانينها. إذا رفضوا هذه القوانين، فلا أحد يسد طريقهم للهجرة.

توصل عدد من الباحثين، قاموا بدراسة تغطية الإعلام الإسرائيلي ليوم الأرض السنوي، منذ العام 1978 وحتى العام 1999، إلى نتيجة مفادها أن "يوم الأرض قد تحول في الإعلام الإسرائيلي إلى طقس جماهيري عام للحط من مكانة وشأن السكان العرب في إسرائيل: "عامًا بعد عام يُقال للأغلبية اليهودية إن هنالك تلويحًا بالتهديد من جانب الأقلية العربية في إسرائيل، ولكن بعد أن ينتهي مهرجان يوم الأرض من دون وقوع حوادث عنيفة يتنفس الإعلام والجمهور الإسرائيليين الصعداء". ويضيف الباحثون أنه، علاوة على ذلك، "يبدو أن الإعلام العبري يعاني نوعًا من فقدان جماعي شديد للذاكرة، إذ تُنسى العِبَر من الأعوام الماضية نسيانًا كاملًا". واستنتج الباحثون أيضًا أن غالبية التقارير الصحفية الإسرائيلية تشير على الدوام إلى مواطني الدولة العرب من باب الجريمة والبطالة والإخلال بالنظام العام - وهي مرتبطة جميعها بعامل التهديد - ويُتعامل مع يوم الأرض بوصفه حدثًا أمنيًّا لا سياسيًّا ولا مدنيًّا، وتغيب الفروقات بين الصحف الإسرائيلية جميعها في هذه المسائل؛ فالإعلام الإسرائيلي يقوم بتصوير يوم الأرض بوصفه "احتجاجًا عربيًّا ضد الدولة اليهودية، إنها مسألة "هم" ضد "نحن". وتشير بعض الأبحاث المقارنة الأخرى إلى أن تعامل الإعلام الإسرائيلي مع قضايا السكان العرب في البلاد، وخاصة في سياقات الحديث عن إضرابات ومظاهر احتجاج وتظاهرات، لم يتغير كثيرًا في تغطية أحداث "هبة أكتوبر" 2000.


(+ اضافة تعقيب )
تعقيبات